P
R
E
V
N
E
X
T
Singaporecensorship_1new_1000

SIMON FUJIWARA, Welcome to the Hotel Munber, 2010, mixed-media room installation, shown in its entirety at PinchukArtCentre, Kiev. Private collection, London.


SIMON FUJIWARAWelcome to the Hotel Munber (detail), 2010, sausages, a glass, napkins, dartboard and calender, displayed as part of the room installation. Installation view at PinchukArtCentre, Kiev. Private collection, London.

(Above, below) Video stills documenting ZUNZI’s Lee’s Garden, 1998, a political cartoon featuring caricatures of then prime minister Goh Chok Tong and minister mentor Lee Kuan Yew, being removed by officials from the Singapore Art Museum. Video by Jeremy Hiah, stills courtesy Ray Langenbach.

الفن والرقابة في سنغافورة: Catch-22؟ 2011: الإباحية، الفن، والقانون

Features from Nov/Dec 2011
Singapore
Also available in:  Chinese  English

على مدى العقد الماضي وسنغافورة المعروفة عالمياً بنظافتها وبنظامها الاجتماعي وبتقدمها التكنولوجي السريع؛ تمضي قُدماً في عالم الفنون، غير أن هذا الوسط المشجع للفن ما يزال يخضع للرقابة، ويثير إحساساً دائماً بشيء يشبه الـ “كوتا” على حرية التعبير، وكما هو الحال في أي بلد، فإن العلاقات بين الفن والدولة والرقابة ودور مؤسسة الفن تُشحن غالباً  بالتناقضات، وقد استدعت أحدث قضايا الرقابة في بينالي سنغافورة 2011  إلى الذهن لحظات إشكالية مرت علينا في العقدين الماضيين، فما يزداد وضوحاً أن السياسات الرامية لتطوير الفن في سنغافورة يجب أن يصاحبها نوع من حماية الاستثناءات أو “الحصانة” في حالة التعبير الفني.

بدأت السنة بحالة شلل، وذلك بافتتاحية المعرض الذي أقيم في"مسرح سنغافورة الفني" في شهر يناير/ كانون الثاني بمنتجع خليج الرمال البرّاقة، وهو أيضاً واحد من كازينوهين جديدين افتتحا في البلد، وقد قدم الفنان الهندي “ت. فينكانّا” ممثَّلاً بصالة “ماسكارا” عملاً أدائياً مكشوفاً، حين جلس عارياً خلف ستارة سوداء، مع خلفية عليها لوحة لـ “فريدا كاهلو”، في حين تمكّن الزوار من التقاط صورة معه باعتباره التجسيد الحي  لـ (tableau vivant)، وعلى الرغم من التنبيه على محتوى العمل والقيود العمرية المشار إليها أمام الحجرة الموضوع فيها، إلا أنه تقرّر إلغاء العرض بعد الضجة التي أثيرت حوله في وسائل الإعلام، وقد صرّح مالك صالة “أبهاي ماسكارا” لـ “ستريتس تايمز” كبرى الصحف السنغافورية بأنه طُلِب من الصالة وقف العرض، لكنه لم يحدّد الجهة التي طالبت بذلك.

وبعد بضعة شهور فقط، وتحديداً في شهر مارس/ آذار هذه السنة افتتحت الدورة الثالثة لبينالي سنغافورة مع سابقةٍ تمثلت بتعيين الفنان السنغافوري “ماثيو نغوي” مديراً فنياً للبينالي الذي سُمي " البيت المفتوح" وضم أعمالاً تستلهم أفكار الضيافة والتجارة والتبادل الثقافي و"الانفتاح" على العمليات والتعابير الفنية، وعلى الرغم من ذلك إلا أن هذه المقاربة التنظيمية تعرضت إلى تحديات في الأيام القليلة الأولى من المعرض، حيث خضع عمل الفنان الياباني البريطاني “سيمون فوجي وارا” (Welcome to the Hotel Munber)/ 2010؛ لرقابة متحف سنغافورة الفني، مع العلم أنه حصل على موافقة من المتحف ذاته باعتباره المنظم والمزود لمكان المعرض والمدير للبينالي، إذ اعتُبر العمل الذي احتوى على إيروتيكية مثلية صريحة خرقاً لقانون المتحف المتعلق بالإباحية، وأدى ذلك إلى سحب المجلات المثلية الإباحية من تلك الإنشاءة من دون استشارة مسبقة سواء مع الفنان، أو مع مدير البينالي “نْغْوي” أو منظمَيه “رسيل ستورر” و"تريفور سميث"، وقد أعقب إبلاغ الفنان والفريق التنظيمي لاحقاً نقاشات ممتدّة، ومفاوضات استغرقت وقتاً طويلاً، إلى حدّ أن السّحب المؤقت للعمل الذي كان قد اقترحه الفنان ذاته؛ أصبح دائماً بالضرورة، فالبينالي كان قد أوشك على الانتهاء.

وأثناء عطلة نهاية الأسبوع ألقى “فوجي وارا” محاضرة أدائية اشتملت على قراءات مقتطفات من أدب إباحي لم تسبّب أية جلبة، وقد وصف الفنان عمله الإشكالي بقوله: “إن عمل (Welcome to the Hotel Munber) يسبر القمع الشديد للحرية الإنسانية، والرقابة على الأدب المثلي في عهد ديكتاتورية الجنرال فرانكو الفاشية في سبعينيات إسبانيا، وقد انبثقت الإنشاءة من سلسلة قصص قصيرة، وأداءات استُلهمت من حياة والديّ اللذين كانا يملكان باراً في فندق بتلك الفترة”.

والإنشاءة التي احتلت مساحة غرفة في صالة كانت بمثابة إعادة خلق لذاك البار الذي كان يملكه والد الفنان الياباني ووالدته البريطانية، حيث عرض في الغرفة سيقاناً وهمية لخنازير معلقة، وأشياء مرتبة بطريقة توحي بولعها بالأعضاء التناسلية الذكورية، وإحالات محددة للعنف وللحرب، وملصقات بذيئة، وأشياء ملطخة بالبيض، بالإضافة إلى مجلات إباحية مثلية كانت معروضة أمام الجمهور، لكنها لم تكن في متناول اليد، فقد “وضعت فوق رف مرفوع، حيث لا يمكن أن تُرى إلا منعكسة في مرآة” كما شرح الفنان لاحقاً، إلا مجلة واحدة كانت في متناول اليد، فتركت على رف قرب مدخل المكان، ووُضعت تحت نسخة أصلية لصحيفة تعود إلى سنة 1975، وهي تُظهِر فرانكو راقداً في نعشه، لكن تلك المجلة ـ كما قال الفنان ـ  كانت مشدودة بحبل إلى الرف، الأمر الذي منع الجمهور من أخذها، وفوق ذلك كله فقد كانت الإنشاءة “تحت رقابة شديدة لا تسمح للجمهور بأكثر من الاطلاع عليها، من دون التمكن من لمس أي جزء منها أو مسكه” كما قال "نْغْوِي"، وأضاف “ستورر” المنظم المشارك للمعرض أنه كانت هناك ملصقات إضافية تصرح بعدم لمس العمل، وهي الرسالة التي طُلب من المتحف وحراسه أن يذكروا الجمهور بها.

ولتوضيح المسألة ووضعها في سياقها فقد أصدر متحف سنغافورة الفني ـ وهو حالياً تحت إشراف “تان بون هوي” ـ  بيانا جاء فيه:

“لأن العمل عُرض في الأسبوع الافتتاحي للمعرض، فقد ارتأى المتحف أن يُبقي الإنشاءة معروضة ومتاحة أمام الزوار شريطة أن تسحب المجلات، وقد أُبلِغ قيمو المعرض بذلك في اليوم ذاته كي يتمكنوا من إخبار الفنان ومعرفة رأيه، وبناء على طلب الفنان فقد قمنا بإيقاف العرض ريثما تناقش جميع الأطراف كيفية إعادة عرضه، وإذ ننظر إلى الموضوع الآن فإننا نقرّ أنه كان يجب علينا أن نوقف العمل كله، ولذلك فإننا نتقدم للفنان بالاعتذار الشديد عن الضيق الذي نتج عن ذلك”.

والطريف أن المتحف ضم أعمالاً أخرى تضمنت عرياً ومحتوى جنسياً صريحاً، وكلها تحمل الإشعارات اللازمة للسماح بالعرض، ويبدو أن “فوجي وارا” خرق القانون المحلي وأحيا  ـ للمفارقة ـ ذات الروح الشريرة التي كان يحاول طردها، أي الرقابة على “الأدب المثلي”.

وبما أن الإباحية كلها ـ مثلية كانت أو غيرية ـ  ليست قانونية في سنغافورة، فإن المجلات سُحبت بهدوء بعد 3 أيام من عطلة نهاية الأسبوع، وإذ يبدو هذا التدخل محاولة للإبقاء على العمل في حدود المسموح به قانونياً، وتجنب فرض غرامة متوقعة و/أو حبس الفنان، فإن إزالة تلك المجلات في عمل مرتكز أساساً على القمع الجنسي والرقابة؛ ربما يشكّل للفنان سخرية لا تطاق.

وعلى الرغم من أن عمل “فوجيوارا” مستلهم من سيرته الذاتية، إلا أنه مليء بإحالات إلى أعمال الكاتب والفيلسوف الفرنسي “جورج باتاي”، ويبدو مثل تحية لروايته ( قصة العين)/ 1928 خصوصاً، وهي قطعة شعرية مبنية جزئياً على سيرة ذاتية أدبية سريالية زعم المؤلف أنها مبنية على مذكرات والده الأعمى، وقد كانت انتهاكات “باتاي” المقصودة نوعاً من مقاومة السلطة الأخلاقية للدين وللكنيسة، وما فعله “فوجيوارا” هو استبدال هذا “العدو” بنظام فرانكو السياسي الفاشي القمعي في إسبانيا.

وقد ربطت “جينيفر هيغي” المحررة المشاركة في مجلة ( فريز) الفنية في مقالتها “الرقابة والعالم الفن” بين حادثة "فوجيوارا"، وبين ما وقع للفنان الجزائري “مصطفى بن فضل” وإنشاءته التي عرضت بميدان عام في بينالي الشارقة الـ 10 هذه السنة تحت اسم ( ليس لديها أهمية/ كتابات متوحشة)، تلك التي عدّت إحالاتها الدينية تجديفاً، ما أدى إلى إدانتها علناً، وتساءلت “هيغي”:

حين يقرر منظمو المعارض عرض أعمال في بلاد لا تملك رقابة صارمة وقوانين ضد التجديف فحسب، بل تعدّ المثلية الجنسية عملاً غير قانوني، فهل هم بذلك يختارون تحدي القانون المحلي فيما يشبه لفتة رمزية؟ أو يفترضون أن إطار حدث فني عالمي قد يكون كافياً لحمايتهم؟ وخلافاً للولايات المتحدة، فإن الشارقة وسنغافورة لم تدّعيا مطلقاً أن فيهما حرية فنية.

إن المادة 292 من القانون السنغافوري تعدّد الحالات التي يمكن أن تعتبر فيها مادة “إيروتيكية” عملاً "فاحشاً"، ومن ثمّ “يعاقب عليها بالسجن مدة قد تصل إلى 3 شهور، أو بغرامة، أو بكليهما”، والاستثناءات الوحيدة التي يمكن معها قبول مادة كهذه هي: أـ حين يسمح بها القانون، ب ـ في سياق الدين، مع وجود إحالة واضحة لصور المعبد، ولذلك كله كان يجب ألا ينظر إلى تلك المجلات على أنها معفيّة من التجريم فقط لأنها معروضة في متحف وفي سياق فني، إذن لا بدّ وأنه كان هناك خلل كبير في التواصل حول تفاصيل العمل ومشاكله القانونية المحتملة بين كل الأطراف ذات العلاقة بالبينالي وتنظيمه، أي الفنان، ومنظمي المعرض، والمتحف نفسه.

كان منظمو المعرض قد أبلغوا المتحف بوجود صور إيروتيكية مثلية داخل قائمة المعروضات، وبما أنه لم يكن سيسمح للجمهور بتصفحها، فإن هؤلاء افترضوا منطقياً أن المجلات ستصنف باعتبارها صوراً إيروتيكية، إلا أن ما غفلت عنه تلك الأطراف جميعها هو أن تلك المجلات عينها ما هي إلا أشياء عتيقة من السبعينيات يمكن الحصول عليها، ويطرح هذا السياق السؤال التالي: ألا يمكن اعتبار أن الإباحية البادية في المجلات قد انتقلت ـ بسبب قدمِها ـ  إلى فضاء الأدب المكشوف؟ إنها مثل قطع أثرية إيروتيكية تنتمي إلى حقبة غابرة، لذلك قد يصحّ الزعم بأنها تجاوزت هدفها الإباحي الأصلي، حتى في البلاد التي تُشرعِن الإباحية، بالإضافة إلى أنها ذاتها بحوزة شخص واحد، وبالتالي خارج نطاق التداول.

وإذا كانت حقيقة أن الإباحية غير قانونية في سنغافورة قد خلقت إشكالية مع الإنشاءة، فإنه لم يكن من الضروري أن يتدخل المتحف بهذه الطريقة الاستباقية، إذ كان بوسعه وضع المفاوضات في سياق الحصانة التي يملكها باعتباره مسرحاً خاصاً لحدث فني عالمي، ولكن هل كان من الواجب ألا يتم السماح للمتحف بالدفاع عن سياقه باعتباره الفضاء الأمثل لعرض الإبداع الفني، حتى وإن لم يكن “معبداً” في الحقيقة؟ أليس للفن سياق خاص وفريد؟ يجب أن ينظر إلى الفن على أنه فضاء استثنائي، وخصوصاً في مجتمع علماني.

أجل هناك رقابة على المواد الإباحية تجعلها غير متاحة في شوراع سنغافورة ومكتباتها وعلى شبكة الإنترنت، لكن دهاة التكنولوجيا هناك يستطيعون التغلب على كل هذه القيود، مما يجعل من القوانين المفروضة تلك أمراً خارج الموضوع، والإشكالية الأخرى هي أنه إذا كانت مادة 377 أ/ من قانون العقوبات ترى في الاتصال الجنسي بين رجلين جريمة، لكن الواضح أن القانون في هذه الحالة لا يجب بالضرورة تفعيله، وعلى أية حال الحياة الجنسية المثلية ليست غائبة تماماً عن سنغافورة.

1994: التعبير عن القمع

في عام 1994، حين لم يكن الجمهور مطلعاً بعد على الفن المعاصر، وقبل الحملة الراهنة لدعم الفنون في البلاد، وفيما أصبح يعرف بواحدة من أحلك اللحظات في المشهد الفني السنغافوري المعاصر، قامت المحكمة العليا السنغافورية برفع دعوى قضائية على مدير صالة المبادرة الفنية “5th Passage” والفنان “جوزيف نْغ” الذي كان قد أنهى للتو تقديم أداء في فضاء 5th Passage الفني، وذلك بتهمة خرق شروط “رخصة التسلية العامة” التي كانت المبادرة قد تقدمت بطلب للحصول عليها قانونياً، تلك الرخصة الوحيدة التي كانت المتاحة أمام أي نوع أدائي في ذلك الوقت، على الرغم من أن المبادرة قامت من تلقاء ذاتها بوضع تنبيه وإخلاء مسؤولية واضح ومقروء، بأنها تنظم حدثاً غير مرخص في فضاء فني خاص، كما تم اتهام الفنان “نْغ” أيضاً بارتكاب “فعل فاضح في مكان عام”.

كان الأداء جزءاً من “جمعية الفنانين العامة” ـ وهو تظاهرة تستمر أسبوعاً ـ شارك في تنظيمه كل من 5th Passage و “قرية الفنانين”، وقد اعترف “نْغ” بذنبه، وغُرِّم، وحُظر أداؤه (العصا الشقيق) الذي كان بمثابة احتجاج جمالي مرهف ضد انتهاك الحق في الخصوصية لـ 12 رجلاً مثلياً نشرت أسماؤهم في صحيفة “ستريتس تايمز”، كما زعم أن إلقاء الشرطة القبض عليهم تم من خلال وسائل مشكوك فيها على الرغم من أن التفاصيل لا تزال غامضة.

ثمة أفعال جنسية مثلية محددة كانت ولا تزال تعدّ جرائم جنائية، تعاقب الدولة مرتكبيها بالضرب بالعصيّ، وقد قام أداء “نْغ” النقدي ـ الذي لم يكن في أي لحظة منه عارياً تماماً ـ “بإعادة تجسيد” هذا الشكل من العقاب بالعصا، لينتهي مع لحظة “الاحتجاج” المثيرة إعلامياً، حين أزال “نْغ” شعر عانته، معطياً ظهره للجمهور، وقد قامت صحيفة التابلويد “الجريدة الجديدة” بتكبير وتضخيم هذه الصورة، مصاحبة إياها بتقرير مليء بالأخطاء الفعلية، ويحمل عنواناً استفزازياً.

لكننا لا نعجب من أنه تم تضخيم هذا الحدث إلى حد إيصاله إلى المحكمة العليا ليكون عبرة لمن يعتبر، إذ بدا لهم ( العصا الشقيق) نقداً فنياً لكل من الشرطة ودور الصحافة من جهة، والقانون من جهة أخرى، وكانت النتيجة أنه ولعقد لاحق تم حظر الفن الأدائي ذاته، فقد توقف التمويل تماماً، وفُرض على أي أداءٍ تقديم ضمان مالي باهظ قبل السماح بعرضه، هذا إلى جانب وضع 5th Passage على القائمة السوداء، باعتبارهم المضيف والشريك في تنظيم تظاهرة “جمعية الفنانين العامة”، وذلك قبل طردهم من أماكن عملهم، نظراً للدعاية السلبية التي أحاطت بهم.

ومن المهم ملاحظة أنه ـ وبعد 17 عاماً ـ لاتزال أحدث قضايا رقابة الفن تدور مرة أخرى حول المثلية الجنسية، والعري الذكوري، ومفهوم الفحش، على الرغم من اختلاف السياق تماماً، إذ شهدت حقبة ما بعد 1994 سنواتٍ من التفاوض والحوار بين “سلطة تطوير الميديا” والمجتمعات الفنية والأكاديمية، أدت في النهاية صياغة سنغافورة ترخيصاً أكثر مرونة للأداءات الفنية، تأخذ بعين الاعتبار الشروط السياقية الخاصة بالممارسة الفنية، لكن السؤال الذي يبقى هو فيما إذا كان القانون سيطبق حقيقة أم لا؟

7_zunzi_removal_video_still_jeremy_hiah_1000

TITARUBISurrounding David, 2008, fibreglass and fabric sculpture, height 8.5m. Courtesy the National Museum of Singapore.

1998: رقابة الكاريكاتير، ""اللامراعاة" و"الكارثة" الدبلوماسية

على الرغم من كل ما سبق ذكره فإن التابو الأساسي في سنغافورة كان وما يزال يتركز حول المعارضة السياسية، وليس حول الجنس أو العري بحد ذاته، إذ لم يكن يُسمح مطلقاً بنقد الحكومة وسياساتها، ولو عن طريق النكتة، فكانت الرقابة الذاتية سائدة، وفي عام 1998 استضاف متحف سنغافوري الفني ـ وقد كان آنذاك تحت إدارة “كووك كيان تشو”ـ برنامجاً طويل الأمد بعنوان ARX 5 (Artists’ Regional Exchange) الذي جاء بمبادرة أسترالية، وضمّ البرنامج 15 فناناً من أستراليا وسنغافورة وهونغ كونغ، لكنّ التظاهرة أثارت كارثة دبلوماسية، حيث أزال طاقم المتحف أعمال الفنان ورسام الكاريكاتير الهونغ كونغي المعروف “زونزي” من الجدران (مرة أخرى بناء على أوامر جهة غير محددة)، ورموها في سلة المهملات، ولا داعي للإشارة بأن الفنان لم يُستشر أبداً، وبأن أية مفاوضات لم تحدث، وقد أثار الحادث اتهامات متبادلة باللامراعاة الثقافية والدبلوماسية بين السلطات السنغافورية والفنان الهونغ كونغي، ووصلت تداعيات الحاث إلى الصحافة في هونغ كونغ وغيرها.

ومن خلال شهادات أولئك الذين استطاعوا رؤية كاريكاتير “زونزي” المثير للضجة (حديقة لي) قبل إزالته سريعاً قبل ليلة الافتتاح، فقد بدا أنه صور مكبرة مؤلفة من أوراق حجمها A4 مطبوع عليها رئيس الوزراء آنذاك “غوه تشوك تونغ” وهو يمسك جهاز مكافحة الآفات، في حين يربت رئيس الوزراء السابق “لي كوان” على ظهره، والصورة كما تبدو تلمّح إلى حقيقة أن سنغافورة بيئة مسيطر عليها، وأن رئيس الوزراء الحالي لا يزال يتلقى تعليمات سلَفه، وسواء عُدّ الكاريكاتور تشهيراً أو مجرد إثارة، فالواضح أنه تعليق سياسي أصبح مخالفة لتجاوزه خيطاً رفيعاً من الحدود.

وسواء أكان “زونزي” يجسّد حقاً الإحساس السنغافوري العام، وبعيداً عمّا إذا كانت الرقابة قد أكدت أنه محق فعلاً، فإنه طُلب من جميع الفنانين التوقيع على “اتفاقية تعاقدية” بين المتحف وARX تحت عنوان “اتفاقية نحو إشراك الفنانين”، وذلك في 10 سبتمبر/ أيلول 1998، وقد نصت الاتفاقية على:

1-  يجب ألا يكون العمل المنتج والمقدم تشهيرياً، أو مسيئاً، أو بذيئاً، أو منافياً بأي حال لقانون البلد التي تشهد إقامة الفنان.

و"زونزي" الذي يبدو مكمماً بهذا التقنين للحرية الفنية، كان يسعى لدفع القيود قليلاً من خلال تقديم كاريكاتير سياسي، سواء عدّ أسلوبه استفزازيا أم لا، غير أن ردة الفعل لم تكن بالتأكيد مجرد اعتراض على “لا مراعاة ثقافية” كما تم تقديمها، وكان من الواجب السماح للفنان بتحمل مسؤولية عمله، وإعطائه الفرصة لتوضيح وتبرير عمله.

2008: مفوّض وبارز

في تناقض صارخ لهذه الأحداث القريبة العهد والبعيدة، قام “المتحف الوطني السنغافوري” بتفويض النحاتة الأندونيسية “تيتاروبي” لصنع عمل بغية نصبه في الباحة المستديرة لبنائه الكولونيالي الكلاسيكي المهيب، فشادت الفنانة محاكاة ضخمة لتمثال مايكل أنجلو (ديفيد)/ 1501ـ1504؛ مستخدمة أليافاً زجاجية، كستها طبقة مشدودة من قماش وردي يشبه "الباتيك"، وأطلقت عليها (محيطاً بديفيد)/ 2008، وعلى الرغم من أن العمل يحيل إلى سوابق كلاسيكية شهيرة، إلا أنه بدا من الناحية المفهومية غنياً بالرموز المستفزة، إذ إن النحاتة فضحت “مستور” الإيروتيكية المثلية الذكورية لتلك الأيقونة الغربية، مما جعل ميول صانعها الجنسية المثلية أكثر وضوحاً، إلى جانب أنها ـ وفي الوقت ذاته ـ هشمّت قداسة ( ديفيد) عبر تأنيثه من خلال الإحالات البصرية للأنوثة الآسيوية.

بدا العمل فاتناً لعدة أسباب، أههما مكان عرضه، ففي اللحظة التي يقف فيه خارج مدخل المتحف الضخم، فإنك ستواجه ساقين هائلتين ذكوريتين مرتديتين جوربين نسائيين، وقد وقفت الساقين وقفة مألوفة ومحاطة بالبوابات المقوسة، وحين تهمّ بالدخول، وترفع عينيك ثانية فإذا بك ترى في تمثال ( ديفيد) الشهير العاري و"المكسو" في آن معاً؛ أعضاءه التناسلية التي تلوح في الأعلى مثل زهرة، وعلى مدى 5 أشهر وقع الجمهور في غرام العمل، وتدافعت حشود من طلبة مدارس في باصات مدرسية، وأجانب، وسكان محليون لرؤية ( ديفيد)  مايكل أنجلو من منظور جديد، ناهيك طبعاً عن العديد من المسيحيين في سنغافورة الذين يضعون الشخصية التوراتية موضع التبجيل، إذن.. لا مشكلة، فالظاهر أن (محيطاً بديفيد) قد أسعد جميع الأطراف، وأن سنغافورة بدا وكأنها قطعت شوطاً طويلاً، وأنه قد سمح للمتاحف بالقيام بعملها، فلماذا إذن تعود الأنماط القديمة من الرقابة والقيود على التعبير الفني للظهور؟

2011 وما بعدها: ما الذي ينتظرنا؟

مما لا شك فيه أن المناخ السياسي والاجتماعي في سنغافورة آخذ في التغيير وإن كان ببطء، فمجلة الأزياء  كوزموبوليتان التي منعت سنة 1982 متوفرة الآن في كل مكان، كما شهدت السنوات القليلة الأخيرة افتتاح كازينوهين كبيرين في منتجعين، هما: “وورد سنتوسا” و"رمال شاطئ مارينا" الفخم، وهي أشكال رائعة للاعتراف بأن بعض الدوافع الإنسانية لا يمكن كبحها، بل ربما يؤدي قمعها إلى ضرر أشد، ولهذا من الأفضل "توجيهها"، وعلى الرغم من أن البلد محافظ سياسياً منذ استقلاله، إلا أن نتائج الاقتراع في شهر مايو/ أيار هذه السنة عكست ـ وللمرة الأولى منذ عقود ـ تحولات جذرية في مستويات الصمت الذي سيتم التغاضي عنه في وجه القرارات السياسية الأحادية التي يتخذها الحزب الحاكم، فقد بدأ الناس يشعرون بوجود أحزاب المعارضة، وضاقت الفوارق في الأصوات التي حصل عليها المعارضون وممثلو السلطة في دوائر أساسية على مستوى البلاد.

أين الفن من هذا؟ إن الفن هو ما يجعلنا بشراً، أو على الأقل يسمح لنا بأن نتساءل ونفهم معنى أن نكون بشراً، ومن هنا يجب أن ينظر إلى الفن ومؤسساته على أنه فضاء الاستثناء المصون، أي الشريان الآمن للتعبير في أي مجتمع، فالفن يشبه ـ في قربه من الدولة ـ شريك فراشٍ قاس لا مفر منه، وهو ـ بالضرورة ـ مأزق بارع ومرهق.  

Ads
E-fluxSAMRossiRossi