P
R
E
V
N
E
X
T
Ben-pier-features_wb_bp_untitled-4_1000

WAFAA BILAL walking around New York’s SoHo neighborhood. All images in this article, unless otherwise noted, by Ben Pier for ArtAsiaPacific


The artist walking around SoHo.

3RD I, 2010– , From top to bottom: Two of the first images taken by 3rd i in Doha on December 14, 2010, and an image taken in New York on January 14, 2011. Courtesy the artist.

X-ray images of the 3rd i camera attached onto the back of the artist’s head.

تداعيات بعيدة

وفاء بلال

Features from Mar/Apr 2011
Iraq USA
Also available in:  Chinese  English

في الساعة 3:08:56 ظهر الرابع عشر من شهر ديسمبر عام 2010، التُقطت صورة ثم حُمِّلت على موقع إلكتروني، تبدو الصورة مبهمة بعض الشيء، لا تظهر سوى سطح لامع لطاولة خشبية موضوعة قرب نافذة في غرفة مظلمة، وعلى الرغم من أن تاريخ ووقت الصورة وخطي طولها وعرضها معلوم؛ مما يسمح تقنياً لأي كان بتحديد موقعها بدقة، إلا أنه من الصعوبة في بداية الأمر تحديد المكان؛ والنمط الهندسي للسور في الخارج والذي يظهر من خلال النافذة هو وحده ما قد يوحي بأن الصورة التقطت في بلد إسلامي، وفي كل دقيقة تظهر صورة أخرى لنفس المشهد بتعديلات طفيفة، مثل حركة صغيرة تبدو منعكسة في النافذة، وورقة شجر تؤرجحها الريح برفق، وفي الصورة السادسة يتغير منظور الكاميرا كاشفاً الآن عن غرفة فندق، ثم في السابعة نرى شخصية رجل غير واضحة تدخل إطار الصورة، وبينما نستمر في تصفح الصور جميعها، فإن سرداً مفككاً يتكشَّف لنا من خلالها، مثل: موقف سيارات، طريق وأشجار نخيل على جانبيه، لقطة مقربة لذراع طفل، يد تطبع على جهاز “لاب توب”، غرفة مظلمة مضاءة فقط بجدار من شاشات الحاسوب.

سلسلة الصور هذه البسيطة والمجردة في نفس الوقت، تعرض المشاهد كما تظهر من خلفية رأس وفاء بلال، ففي العام الماضي قام الفنان العراقي- الأمريكي بزرع كاميرا صغيرة جراحياً في مؤخرة جمجمته، حيث ستبقى عاما كاملاً، ومنذ الرابع عشر من شهر ديسمبر، حين شغّل بلال كاميرته لأول مرة في الدوحة، التقطت صورة ثابتة كل دقيقة، وحمّلتها مع موقعها المحدد من خلال (GPS) على موقع بلال الالكتروني (http://3rdi.me)، وذلك بواسطة حاسوب صغير، وكان بلال قد كلّف بمشروع ( أنا الثالث) من قبل المتحف العربي للفن الحديث في الدوحة، ليكون جزءاً من معارضها الافتتاحية، وهو “محكي/مخفي/معاد”، الذي يضم ثلاثة وعشرين فناناً معاصراً جذورهم عربية، وهناك في غرفة ذات مرايا عرض جدار باثنين وأربعين شاشة صوراً من أرشيف بلال على الإنترنت، مغرقاً الجمهور في بحر هائج من الصور، والسرعة التي تتغير بها الصور تعتمد على حركة الناس، فالتوقف مثلاً أمام شاشة ما يحوِّل الأخريات إلى اللون الأبيض.

وكما أخبرني بلال في واحدة من مقابلتين أجريتهما معه، وقبل أن يخضع لجراحة زرع الكاميرا: “الموضوع هو الحوار بين الصور ومشاهديها”، و: “الصورة تعترف بمن أمامها، لكنها تطلب منه أيضاً أن يعترف بها من خلال إبطاء سرعة حركته”، لقد انصبّ تركيز أعمال بلال في العقد الماضي على تأسيس سرديات مفتوحة ـ وحسب تعبيره “لقاءات ديناميكية” ـ بينه وبين فنه وبين جمهور مشارك، فأداءاته المجهدة بدنياً، وأعماله الفنية المتنافرة المعتمدة على الميديا الجديدة تحمل أيضاً جانباً تشاركياً نشطاً، ويسعى بلال إلى دفع ذاته والآخرين خارج مناطقهم الجمالية والسياسية المريحة، وغايته المحددة ـ غالباً ـ هي توعية الناس بمحنة المدنيين في العراق.

يقول بلال بصوته الدمث الهادئ: “أنا مهتم جدا بالصور الدنيوية البسيطة التي لا تُلتقط غالباً”، ويضيف: “كلما نظرت في عدسة كاميرا فإن الصورة الناتجة عن ذلك ذاتية تماماً، وما أحاوله هو أن أفقد شيئاً من تلك الذاتية على الأقل، حتى لو منعت وضعية الكاميرا من إمكانية تحقيق ذلك بنسبة 100%”.

حقاً إن أغلبية صور بلال عاديّة ومبتذلة من حيث الموضوع، لكن هذا الخيط من أنصاف السرديات غير المترابطة منطقياً آسر أيضاً، فدلالات الصور و"الحوار" الذي تخلقه يختلف بشكل أساسي اعتماداً على المشاركين، سواء كانوا بلال نفسه، أم جمهور المتحف، أم المشاهدين عبر الإنترنت، أم أولئك الذين تم التقاط صور لهم بمعرفتهم أو بعدمها، وقد وجد بلال قبل الانتهاء من العمل أنه “تسجيل شخصي بالنسبة لي”، مضيفاً: “لكن وجود الكاميرا في رأسي يجعل الناس يدركون كم نعيش نحن تحت المراقبة”.

منذ أن وضع ( أنا الثالث) على شبكة الإنترنت، ووسائل الإعلام السائدة تؤجّج في الأساس خوفاً مما قد تلتقطه كاميرا بلال، فقد ركّزت تقارير الأنباء على حقيقة أن بلال يعمل أستاذ فن مساعد في قسم التصوير في مدرسة “تيش” للفنون بجامعة نيويورك، وأنه بعد مناقشة مشروعه مع الجامعة طلبت منه تغطية عدسة كاميرته حين يكون في حرمها، انطلاقاً من حرصها على خصوصية طلابها وموظفيها، وحول ذلك قال بلال: “من المفارقة أن يطلب منك قسم التصوير ألا تأخذ صوراً، لكن جامعة نيويورك مؤسسة خاصة لها الحق في حماية خصوصية طلابها، وهو خط أحمر يصعب عليهم قطعه”.

ومع ذلك فإن تركيز وسائل الإعلام على الآثار القانونية لمشروع بلال يعكس مخاوف مجتمعية حديثة حول انتشار المعلومات الشخصية على الإنترنت، فحين أطلقت “غوغل” مشروعها “عرض شوارع”1 في شهر مايو من عام 2007 ظهرت احتجاجات بأن بعض الصور التقطت أشخاصاً في أوضاع لا يريدونها معروضة للجمهور، مثل مغادرة نوادي العري، والاعتقالات، والتبول في الشارع، وقد منعت الحكومات أيضاً “غوغل” من تصوير القواعد العسكرية وغيرها من المواقع الحساسة أمنياً، وعلى الرغم من ردّ الشركة بأن صورها ملتقطة من ممتلكات عامة، إلا أن هذه الحجة مشكوك فيها نظراً لأن كاميرات “غوغل” الموضوعة فوق شاحنات تابعة لها تستطيع اختراق الجدران، والأسوار، والأسيجة، وغيرها من المباني التي تحمي الخصوصية عادة، وفي شهر مايو من عام 2008، خسرت “غوغل” القضية، فبدأت تظهر وجوه الناس الذين تلتقطهم كاميراتها بشكل لا يمكن تمييزه ومعرفته.

وعلى أية حال فإن صور بلال لم تشهد بعد حالات درامية كتلك التي شهدتها "غوغل"، وفي أسوأ الأحوال فإن الصور التي قد تثير جدلاً خافتاً هي تلك الملتقطة لأشخاص يقطعون الشارع بطريقة مستهترة بالقوانين والإشارات، ومن الطبيعي أن تحركات بلال محدودة جداً مقارنة مع شاحنات “غوغل” حاملات الكاميرات، ومشروعه في النهاية مختلف قليلاً عن أي شخص يأخذ صوراً في مكان عمومي ويضعها في صفحته الشخصية على “فيس بوك” أو “ماي سبيس” أو “فلكر” أو غيرها من المواقع، (وفي الحقيقة يحتاط بلال بإعلامه الناس عن قصة الكاميرا في رأسه حين يدخل أمكنة خاصة)، وإذا كان هناك أي فضيحة لأشخاص صوّرهم بلال فإن ظهورها للعلن سيستغرق وقتاً طويلاً.

إن الأثر السلبي الوحيد لمشروع ( أنا الثالث) حتى الآن انعكس على بلال نفسه، فالعملية الجراحية لم تكن أمراً بسيطاً، إذ شهدت عيادة تعديل الجسم في لوس أنجلوس إدخال ثلاث لوحات من التيتانيوم تحت فروة رأسه، ثبتت بثلاث دبابيس في الجلد لتسند الكاميرا المصنوعة خصيصاً للمشروع، وحين قابلت بلال في أواخر شهر ديسمبر بعد عدة أسابيع من العملية، بدت الضريبة الجسدية للمشروع واضحة، حيث شرح بلال ـ الذي ظهر أنحف بكثيرـ أن صدمة العملية كانت أسوأ مما توقعه، ففي الأيام التالية لها كان مصدوماً، وقد تعرض جسده لنوبات ذعر شديد، وعلى الرغم من خمود تلك النوبات لاحقاً، إلا أن بلال ظل يحمل أدوية خوفاً من تكرار حدوثها، بالإضافة إلى ذلك فإن المحافظة على الجهاز تشكل التزاماً ملحّاً، ولأن الجلد الذي حول الدبابيس لا يمكن أن يلتئم تماماً فإن الأمر يصبح غير مريح، وعلى بلال غسل المنطقة ثلاث مرات يومياً، ودهنها بكريم “ستيرويد” حين يتهيج الجلد، والجدير بالذكر أن بلال ينام الآن على وجهه.

وبينما توقع بلال أن تسبب الكاميرا مشاكل مع موظفي أمن المطار، فإن العملية مضت بسلاسة نسبياً حين وصل إلى مطار لوس أنجلوس الدولي ليعود إلى نيويورك، فقد كان رأسه ملفوفاً بالضمادات، وفي البداية رفض بلال طلب الحراس نزع الشاش من أجل التفتيش، لكن الموضوع حُلّ في النهاية حين وافق على مسح المنطقة بقماشة تم تحليلها بجهاز كشف المتفجرات.

وباستثناء الإجهاد الجسدي والنفسي، فإن التحديات الأخرى التي واجهها بلال كانت في معظمها طفيفة، بل مسلية، ويتذكر بلال أنه مرة سمع امرأة تتحدث على جهازها الخليوي خلفه قائلة: “انتظري، دعيني أبتعد عن هذا الرجل الذي يحمل كاميرا في رأسه” (فنجت من التصوير). وفي الوقت الذي قد يكون فيه بلال يصور العالم من حوله، فإنه أيضاً يُخضع ذاته لمراقبتنا، ومثال ذلك ما يتذكره حين كان يتحدث مع صديقته بواسطة الإنترنت، فقال: “شعرت برغبة في إنهاء الحديث، وأخبرتها أنني ذاهب كي آخذ غفوة، لتقول بعدها: (ألم تأخذ واحدة منذ قليل)؟ إنه من الصعب أن تكذب كذباً أبيض هذه الأيام”، ينهي كلامه وابتسامة ساخرة تعلو شفتيه.

لقد فاجأت عملية بلال الجراحية عائلته، فلم يخبر بها بداية إلا شقيقه علاء، لكن يبدو أن أقاربه اكتشفوا الموضوع من خلال تقرير إخباري تلفزيوني، وكما قال فإنهم فخورون بعمله، وإن استقبال عمله في الشرق الأوسط عموماً كان أيضاً إيجابياً، وأضاف:" صمدت المنطقة أمام رقابة مزدوجة، فالناس هناك يعتبرون أن مراقبة حكوماتهم لهم أمر مفروغ منه، لكن عليهم أيضاً أن يتحملوا مراقبة الولايات المتحدة، لذلك فهم يتماهون مع ما أحاول القيام به".

Ben-pier-features_wb_bp_mg_6790_1000

WAFAA BILAL with a black light, which is needed to see And Counting… (2010– ), the invisible-ink tattoo on his back that commemorates the deaths of Iraqi civilians and US soldiers since 2003.


ArtAsiaPacific’s photo editor Alis Atwell assisting Bilal with taping the 3rd i camera’s USB cable to his neck before leaving his studio to walk around New York’s SoHo neighborhood.

DOMESTIC TENSION, 2007, performance in which the artist spent 31 days under fire from a paintball gun that participants could control online.

DOMESTIC TENSION, 2007, photo documentation of the performance, in which the artist is strapped onto the bed during his sleep, to prevent from being jolted awake and accidentally getting into the line of fire.

والواقع أن بلال ليس الفنان الوحيد الذي سعى إلى سبر قضايا المراقبة والخصوصية الفردية من خلال تعقبات جهاز (GPS)، فمنذ عام 2002 والفنان البنغلادشي- الأمريكي حسن إلهي يزوّد من خلال عمله ( تعقب المؤقت) توثيقاً على الإنترنت لأماكن وجوده، وذلك في رد فعل على استجواب الـ (FBI) حين اشتبهوا خطأ بـأنه يخفي مواد متفجرة بخزانة في فلوريدا، ومن المؤكد أن ( أنا الثالث) ليس مجرد نقد لإساءة الحكومات استخدام سلطتها، إذ هو يستجلي عاديّة اليومي الحياتي بقدر ما يستجلي تفشي المراقبة، وعلى الرغم من ذلك فإن السبب الكامن وراء هذا العمل ـ كما هو الحال في معظم أعمال بلال في العقد الماضي ـ يرجع إلى مناخ ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أي البارانويا، وتصنيف الناس عرقياً2، وتجريد الآخر من إنسانيته وقت الحروب.

يمكن البحث عن الدوافع وراء هذا العمل بشكل أساس في حياة بلال الشخصية نفسها، فبعد ولادته في الكوفة عام 1966، عمل مصوراً ورساماً في بغداد أثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية بين (1980-1988)، معالجاً في فنه قضايا الصراع، وحرية التعبير، بأسلوب تجريدي ليتملّص من رقابة السلطات، وحين اجتاح صدام حسين الكويت سنة 1990 كان بلال جزءاً من الحركة الطلابية التي رفضت الانضمام للجيش كمتطوعين، وعن ذلك قال: “عرفت في تلك اللحظة أن هذه هي آخر أيامي في العراق”، مضيفاً أن واحدة من الذكريات التي ألهمت ( أنا الثالث) كانت لحظة الفرار من بلده أثناء انتفاضة الشيعة سنة 1991، وأضاف: “كنت خارج النجف حين كانت تحت قصف جيش صدام، نظرت خلفي ورأيت دخاناً أسود يعلو المدينة، فتمنّيت لو كان بحوزتي كاميرا لألتقط ذاك الذي كنت أتركه ورائي”، بعد وصول بلال إلى الكويت اعتقل، وأُرسل إلى مخيم لاجئين في السعودية، وهناك أمضى سنتين قبل حصوله على لجوء سياسي في الولايات المتحدة، وبعد دراسته الفن في جامعة “نيو مكسيكو”، حصل على درجة الماجستير في الفن والتكنولوجيا من “معهد شيكاغو للفنون” في عام 2003، ليعمل بعدها أستاذاً مساعداً بالإنابة في نفس المكان.

إن التناقض بين استقرار حياته في أمريكا ومأزق أسرته في العراق هو ما شحن عمله في السنوات الأخيرة، وقد قال:“حين وصلت إلى هنا تبنّيت العراق كقضية لأنني لم أكن كذلك، ثم إني لا أزال أملك ترف قطع ذاتي عن أسرتي وواقع الحياة هناك”.

وقد أحدث غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة سنة 2003 تغييراً عميقاً في مسار حياة بلال وعمله، ففي سنة 2004 قصفت طائرة استطلاع بدون طيار نقطة تفتيش في الكوفة، الأمر الذي أسفر عن مقتل أخيه ناجي، ليلحقه والده حزناً عليه بعد ذلك بأسابيع، وعن ذلك يقول بلال: "قضيت سنتين وأنا أفكّر كيف أتعامل مع ذلك، وفي شهر مايو 2007 شاهدت مقابلة تليفزيونية مع جندي أمريكي في “كولورادو” مسؤول عن تشغيل طائرات الاستطلاع في العراق، وقد أذهلني في تلك اللحظة فقط كيف يمكن أن نصبح منفصلين عن الواقع حين نعيش في منطقة راحة3".

جاءت ردة فعل بلال في عمل ( توتّر محلي)/ 2007 الذي عرض في صالت عرض “فلات فايل” في شيكاغو، حيث أمضى 31 يوماً محبوساً في غرفة لا يقبل سوى الغذاء المتبرّع به فقط، والجمهور عن طريق الإنترنت أمكنه استخدام موقع المشروع لتشغيل بندقية كرات طلاء آلية في صالة العرض بهدف إطلاق كرات صفراء اللون على الفنان في أي وقت ليلاً أو نهاراً، مع وجود فترات راحة بين الطلقات، وقد وصف بلال الألم الناتج عن التعرض لكرات الطلاء بأنه شديد، وربما مهدّد للحياة إذا تم الإطلاق على الرأس، ولكي ينام كان عليه ربط نفسه في السرير خوفاً من أن يجلسه صوت البندقية فيكون في مرمى الإطلاق، وعلى الرغم من أن بلال قضى أغلب أيامه محاولاً الهرب من هجوم الكرات، إلا أنه وجد فترات راحة ليجلس إلى مكتب ـ محميّ بشاشة بلاستيكية ـ ويتواصل مع الرماة من خلال كاميرا ويب وغرفة محادثة.

وكما يروي بلال: “بدأت أرى أشخاصاً من كافة الأطياف؛ لاعبو ألعاب فيديو، لاعبو كرات طلاء، صيادون، وكنت أسأل الصيادين لماذا يشاركون في ذلك، وكان ردهم: (هذا موسمك!)، والجماعة الوحيدة التي لم أكن أتوقعها كانت قراصنة الإنترنت الذين عشقوا مشروعي”، ويصف بلال كيف تشكلت مجتمعات من قراصنة الإنترنت عفوياً، وعدّلت من طبيعة اللعبة، وخلال عشرة أيام استطاعت جماعة قرصنة اختراق برمجية البندقية لتمكنها من الإطلاق بشكل أوتوماتيكي كامل، لكن جماعة أخرى حمت بلال بسرعة حين حصرت الإطلاق في الجوانب، وفي نهاية المشروع كان قد تم إطلاق 60 ألف طلقة من قبل أشخاص من 128 بلداً، أما موقع المشروع فقد امتلأ برسائل تراوحت بين التعبير عن الإعجاب والتشجيع، وبين الهجاءات اللاذعة العنصرية، ولم يظهر بلال أي مرارة تجاه أولئك الذين هاجموه على الإنترنت، لكنه أكّد أهمية أفعالهم ودلالاتها، شارحاً: “منحت الناس فرصة ليتصرفوا بدافع رغباتهم، وقد أخرج هذا أحياناً أسوأ ما فيهم لأنهم لم يشعروا أنهم تحت المساءلة، والخطير وجود جنود جالسين في الولايات المتحدة يوجهون أسلحتهم إلى أماكن أخرى في العالم، لكنهم لا يحسّون بعاقبة أفعالهم، ولا بأي ارتباط جسدي بالهدف الذي يهاجمون”.

هذا الاسترجاع الدقيق للحبس الشديد الذي يعيشه العراقيون يومياً منذ سنة 2003 جعل مشروع بلال مثيراً للأحاسيس، لكنه يراها وسيلة ضرورية لإثارة النقاش حول الحرب في غياب أي جدل حيوي أو احتجاج في المجتمع الأمريكي بشكل عام، وعلى الرغم من الدور المركزي الذي لعبه بلال في هذا الأداء، فإن ( توتّر محلي) ما كان ليكون لولا مشاركة الجمهور على الإنترنت، فقد كانوا في كل كرة يطلقونها يخلطون الواقع بالترفيه وبالتعطش للدماء.

واصل بلال بحثه في تسييس ألعاب الفيديو في ( ليلة أسر بوشجهاد عملي)/2008، ففي عام 2005 كان قد شاهد تقريراً على قناة CNN حول لعبة “ليلة أسر بوش” التي صمّمها تنظيم القاعدة، وتمحورت حول مطلقي نار يمكنهم قتل جنود أمريكيين والرئيس الأسبق بوش في النهاية، وعن ذلك قال: “فتنتني فكرة أن منظمة إرهابية تسكن الكهوف تقوم بصنع لعبة فيديو”، وقد اكتشف خلال بحثه أن هذه اللعبة تقليد للعبة سابقة عليها اسمها “البحث عن صدام” المنتجة في الولايات المتحدة عام 2003، ويمكن لمن يلعبها إلقاء القبض على صدام وتصفية إرهابيين عراقيين يحملون جميعهم وجه صدام، وما فعله تنظيم القاعدة باللعبة هو أنه استبدل وجه صدام بوجوه الجنود الأمريكيين وجورج بوش.

Ben_pier_features_wb_bp_untitled-15_1000

WAFAA BILAL at his studio in New York. 


THE NIGHT OF BUSH CAPTURING: A VIRTUAL JIHADI, 2008, image stills from the artist’s original video game, which was created using hacked software.

يواصل بلال: “أسرتني أيضاً حقيقة أن عملاً بسيطاً كتغيير الجلد يمكنه أن يثير غضب الناس، إذ فجأة أصبحنا الطريدة لا الصياد، وفي ذلك الوقت أردت توعية الناس بقضية الانتحاريين والسبب الذي جعل المجتمع العراقي فجأة عنيفاً جداً”، ومن أجل عمل ( جهاد عملي) اخترق بلال نسخة القاعدة من اللعبة جاعلاً نفسه بطلها، ومستخدما تفاصيل حياته الشخصية ليسلّط الضوء على سرعة تأثر أشخاص مظلومين بجماعات كالقاعدة تسعى لتجنيدهم، والسرد يقدّم لنا بلال في صورة عراقي- أمريكي يعيش في أمريكا، ويقرّر أن يصبح انتحارياً بعد أن حولّه فَقْد أخيه ووالده إلى شخص راديكالي.

تعرّض ذلك العمل إلى معارضة ورقابة شديدتين، فبعد أن عرض في الخامس من شهر مارس عام 2008 بمعهد بوليتيكنيك “رينسيلاير” في مدينة تروي بنيويورك، منعت إدارة المعهد العرض في اليوم التالي على أساس أنه “يستقي من منتج منظمة إرهابية، ويقترح قتل الرئيس”، وفي غضون أسبوع استطاع بلال نقل المعرض إلى “معبد الميديا المستقلة” في المدينة ذاتها، لكن الفيديو واصل جذبه لانتقادات حادة من مفوّض المدينة للأشغال العامة “روبرت ميرش” الذي وصف العمل على الملأ بأنه “عمل إرهابي”، فقام بعدها المسؤولون في المدينة وبخطوة ذات دوافع سياسية صارخة بإبلاغ مدراء المعبد بأن مكانهم “ليس صالحاً للإشغال”، مشيرين إلى أن قوانين البنايات تتطلّب أن يكون عرض الأبواب 30 إنشاً، في حين كان عرض باب المعبد 29 إنشاً.

يقول بلال: “الكره ليس عاطفة طبيعية، إنما نتعلمه، ولعبة القاعدة شبيهة بتلك التي يستخدمها الجيش الأمريكي لتجنيد وتدريب أفراده”، وعلى الرغم من أن منهجية بلال في ( جهاد عملي) كانت عرضة لإساءة التفسيرـ فالذين لم يدركوا أنها لعبة تقليد لتقليد، افترضوا أن الفنان يؤيد اغتيال الرئيس بوش ـ إلا أن المسؤولية الجمعية لمجتمع ديمقراطي هي أن يعالج تناقضاته الذاتية، ويتقبّل وجهات النظر المتعدّدة، لا أن يقمعها.

“القتال من أجل السلام” هو الكليشيه المتناقض ذاتياً الذي يستخدم غالباً لتبرير الغزو الأمريكي للعراق، لكننا نلاحظ ونحن نقترب من الذكرى السنوية الثامنة للحرب في العشرين من شهر مارس، أن وسائل الإعلام السائدة لا تتكلّم عن عدد الضحايا المتزايد باستمرار، وقد قام مشروع “إحصاء قتلى العراق” بتوثيق ما بين 99 ألفا إلى 109 آلاف ضحية بين المدنيين، في حين يقترب عدد الجنود الأمريكيين القتلى من 5 آلاف، فضلاً عن عشرات آلاف الجنود المصابين بإعاقات، وبهدف تخليد الضحايا قدّم بلال في “مؤسسة إليزابيث للفنون” في الثامن من شهر مارس عام 2010 الأداء الأول، وذلك ضمن سلسلة مستمرة من العروض الحية، تحت عنوان (ونعُدّ...)، وفيه يقوم الزوّار بقراءة أسماء الموتى، في حين يقف بلال بظهره الموشوم بخريطة بلا حدود للعراق، مغطاة بنقاط تمثل كل واحدة منها ضحية مدنية أو عسكرية، موضوعة قرب المدينة التي ماتوا فيها، وبينما يُمثّل الجنود الأمريكيون الضحايا بنقاط حمراء ظاهرة، فإن مائة ألف ضحية عراقيّ قد وشموا بحبر فوق بنفسجي لا يرى إلا تحت ضوء أسود، ويقوم بلال بجمع دولار واحد عن كل نقطة، متبرعاً بالنقود إلى “تجمع للعراق”، وهي منظمة خيرية تقدم منحا تعليمية لأطفال عراقيين وأمريكيين فقدوا ذويهم في الحرب.

يصف بلال العملية بأنها مؤلمة بشدة، ولأنه من المستحيل الفصل بين نقاط عديدة، فإن إبرة رسام الوشم تخترق في معظم الوقت المكان نفسه في ظهر بلال مراراً وتكراراً، والعمل المرئي تحت ضوء أسود يبدو مثل لطخات متوهجة تذكّرنا بآثار الحروق، وحتى اللحظة فإن بلال مليء بعشرين ألف نقطة، أما الخمسة آلاف نقطة الحمراء التي تمثل الجنود الأمريكيين، فمن المفروض أن توشم على ظهره في واشنطن ـ وربما قريباً من البيت الأبيض ـ في الثلاثين من شهر مايو، والذي يصادف “يوم الضحايا”4.

تعد ممارسات بلال التي تأتي في الوقت المناسب سياسياً حالمة ومثالية في تجريبها التكنولوجي، وبالتزامن مع مئات آلاف الوثائق السرية التي سرّبتها "ويكيليكس"، والدور النامي الذي يلعبه “فيس بوك” و"تويتر" في تسهيل مظاهرات ضد النظام في بلاد مثل تونس، ومصر، واليمن، وإيران، فإن مشروع أنا الثالث) يأتي نتاجاً لمرحلة وليدة تغيّر فيها التكنولوجيا جذرياً من توازن القوى بين الحكومات والمواطنين، وبلال الذي يبدو متحمساً لاستكشاف هذه المنطقة غير المطروقة، فهو يعمل الآن على تطوير برنامج سيسمح لأي كان بمحاكاة ( أنا الثالث) عبر هواتفهم الذكية الروبوتية، وما يعنيه ذلك من أخذ صورة كل دقيقة بشكل أوتوماتيكي، وتحميلها على “فلكر” أو أي موقع يشاؤون، ومع أن الخدمة التي يقدمها البرنامج شائعة في حد ذاتها ـ إذ يتم تحميل حوالي 2.5 مليار صورة على “فيسبوك” شهرياً ـ فإن أتمتة العملية وآليتها هو ما يعنينا، إذ قد يشكّل ذلك خطوة أخرى إلى الأمام نحو مستقبل توثق فيه جميع الأنشطة والأفكار الإنسانية في شكل ما.

وتبقى أعمال بلال المجهدة بدنياً، وبكل الخصائص النبوئية الكامنة فيها، وسيلة الفنان لفهم ماضيه، بدءاً من القمع الذي عاشه في ظل صدام حسين، إلى كارثة الاحتلال الأمريكي للعراق، وفقده لأخيه ووالده، وهنا يعلّق بالقول: “إن الضعف الحقيقي يخرج ما بداخلك من أحزان، وقد بدأ يخطر ببالي أكثر وأكثر كيف أن هذه الفظاعات حطّمت عائلتي، وإن القيام بالأداءات التي تجعلني هشاً جسدياً وعاطفياً تساعدني على تخطّي الحواجز المحيطة بي، فهي ذلك الشيء الذي يقرّبني من الواقع، ويمنحني القدرة على إدراك ما قد خسرته”.

FOOTNOTES

1 Google Street View

2 Racial Profiling

3 Comfort Zone

4 Memorial Day

Ads
Honolulu BiennialDavid ZwirnerSOTHEBY'SCHRISTIE"S